القرطبي
267
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
نبيه عليه السلام ، فقال عليه السلام : ( الثلث والثلث كثير ) ، وقد تقدم ما للعلماء في هذا . وقال صلى الله عليه وسلم : ( إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة لكم في حسناتكم ليجعلها لكم زكاة ) . أخرجه الدارقطني عن أبي أمامة عن معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم . وقال الحسن : لا تجوز وصية إلا في الثلث ، وإليه ذهب البخاري واحتج بقوله تعالى : " وأن احكم بينهم بما أنزل الله ( 1 ) " [ المائدة : 49 ] وحكم النبي صلى الله عليه وسلم بأن الثلث كثير هو الحكم بما أنزل الله . فمن تجاوز ما حده رسول الله صلى الله عليه وسلم وزاد على الثلث فقد أتى ما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه ، وكان بفعله ذلك عاصيا إذا كان بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم عالما . وقال الشافعي : وقوله ( الثلث كثير ) يريد أنه غير قليل . التاسعة عشرة - قوله تعالى : " حقا " يعني ثابتا ثبوت نظر وتحصين ، لا ثبوت فرض ووجوب ، بدليل قوله : " على المتقين " وهذا يدل على كونه ندبا ، لأنه لو كان فرضا لكان على جميع المسلمين ، فلما خص الله من يتقي ، أي يخاف تقصيرا ، دل على أنه غير لازم إلا فيما يتوقع تلفه إن مات ، فيلزمه فرضا المبادرة بكتبه والوصية به ، لأنه إن سكت عنه كان تضييعا له وتقصيرا منه ، وقد تقدم هذا المعنى . وانتصب " حقا " على المصدر المؤكد ، ويجوز في غير القرآن " حق " بمعنى ذلك حق . الموفية عشرين - قال العلماء : المبادرة بكتب الوصية ليست مأخوذة من هذه الآية وإنما هي من حديث ابن عمر . وفائدتها : المبالغة في زيادة الاستيثاق وكونها مكتوبة مشهودا بها وهي الوصية المتفق على العمل بها ، فلو أشهد العدول وقاموا بتلك الشهادة لفظا لعمل بها وإن لم تكتب خطا ، فلو كتبها بيده ولم يشهد فلم يختلف قول مالك أنه لا يعمل بها إلا فيما يكون فيها من إقرار بحق لمن لا يتهم عليه فيلزمه تنفيذه . الحادية والعشرون - روى الدارقطني عن أنس بن مالك قال : كانوا يكتبون في صدور وصاياهم ( هذا ما أوصى به فلان بن فلان أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ،
--> ( 1 ) راجع ج 6 ص 212 .